ابن قتيبة الدينوري

511

الشعر والشعراء

بكيت الصّبا جهدا فمن شاء لامنى * ومن شاء واسى في البكاء وأسعدا ( 1 ) وإني وإن عيّرت في طلب الصّبا * لأعلم أنى لست في الحبّ أوحدا إذا كنت عزهاة عن اللَّهو والصّبا * فكن حجرا من يابس الصّخر جلمدا ( 2 ) 911 * وكان يزيد بن عبد الملك صاحب حبابة وسلَّامة قد ترك لشغله باللَّهو الظهور للعامّة وشهادة الجمعة ، فقال له مسلمة أخوه : يا أمير المؤمنين قد تركت الأمور وأضعت المسلمين وقعدت في منزلك مع هاتين الأمتين ، فارعوى قليلا وظهر للناس ، فقالت حبابة للأحوص : قل شعرا أغنى به أمير المؤمنين ، فقال : * وما العيش إلا ما تلذّ وتشتهى * الأبيات . ثم غنّتا يزيد به ، فضرب بخيزرانته الأرض ، وقال : صدقت صدقت ، على مسلمة لعنة الله وعلى ما جاء به ، وعاد لحالته الأولى ، إلى أن ماتت حبابة ، ثم مات بعدها بأيام حزنا عليها ووجدا ( 3 ) . 912 * ومن هذا الشعر : وأشرفت في نشز من الأرض يافع * وقد تشعف الأيفاع من كان مقصدا ( 4 ) فقلت : ألا يا ليت أسماء أصقبت * وهل قول « ليت » جامع ما تبدّدا ( 5 )

--> ( 1 ) أسعده : شاركه في البكاء وعاونه ، وأصل الإسعاد للنساء في المناحات ، تقوم المرأة فتقوم معها أخرى من جاراتها فتساعدها على النياحة ، قال الخطابي : « أما الإسعاد فخاص في هذا المعنى ، وأما المساعدة فعامة في كل المعاونة » وقد نهى النبي صلى اللَّه عليه وسلم عن هذا الإسعاد ، وهو عمل جاهلي . ( 2 ) العزهاة : العازف عن اللهو والنساء ، لا يطرب للهو ويبعد عنه . والبيت في اللسان 17 : 410 غير منسوب . ( 3 ) القصة مفصلة في الأغانى 13 : 150 - 153 بأطول مما هنا ، وفيه أبيات كثيرة من هذه القصيدة . ( 4 ) النشز : المتن المرتفع من الأرض . اليافع : المرتفع المشرف أيضا ، كاليفع ، وجمع اليفع « أيفاع » . تشعفه : تذهب بفؤاده . المقصد ، بضم الميم وفتح الصاد : الذي أصابه السهم أو الرمح فمات مكانه . ( 5 ) أصقبت : دنت وقربت .